خاص

خاص: كاترين بابادوبولو - لحظة لبنان الفيدرالية: نافذة حاسمة  لماذا قد تُشكّل حلقة الليلة من"صار الوقت" بدايةً أكثر حوار سياسي نزيه في لبنان منذ 37 عامًا؟



خاص: كاترين بابادوبولو - لحظة لبنان الفيدرالية: نافذة حاسمة 
لماذا قد تُشكّل حلقة الليلة من"صار الوقت" بدايةً أكثر حوار سياسي نزيه في لبنان منذ 37 عامًا؟
 
بقلم كاترين بابادوبولو

في 30 نيسان 2026، يقف لبنان عند أخصب لحظة في تاريخه الحديث لإجراء نقاش فيدرالي جاد. ثلاث حروب في عشرين عامًا والانهيار العسكري لحزب الله فتحا نافذة لم تكن يومًا بهذا الاتساع. ولأول مرة منذ أن أغلق اتفاق الطائف هذا الحوار عام 1989، باتت الظروف مواتية لإعادة فتحه، وإعادة فتحه بنزاهة.
 
أصبح الحكم على المركزية الآن محسومًا لا جدال فيه. فقد فشلت الدولة اللبنانية المركزية مرارًا وتكرارًا في اختبارها الأساسي دون تفويض ديمقراطي: لم تستطع منع جهة غير حكومية من جرّ البلاد إلى عقود من الصراع والحروب، ولم تستطع منع احتلال الجنوب وتدميره، وشهدت انهيار اقتصادها وفقدان مواطنيها لمدخرات عمرهم، ولم تستطع منع الشباب من الهجرة. هذه ليست شكوى حزبية، بل هي سجل واقعي لنظام فشل فشلاً ذريعاً في حماية من يدّعي حكمهم.
 
وهنا تكمن الحقيقة الأكثر إزعاجاً في لبنان: الفيدرالي المختبئ في وضح النهار. إن أشدّ معارضي الفيدرالية في لبنان هو نفسه أكثر من يمارسها. فقد حكم حزب الله أراضيه لعقود ككيان فيدرالي بحكم الأمر الواقع، يدير المدارس والمستشفيات والمحاكم، ويملك اقتصاداً موازياً، وجيشاً مستقلاً، وسياسة خارجية مستقلة تماماً خارج سلطة الدولة. الحزب الذي يدين الفيدرالية باعتبارها تقسيماً، كان يبني بهدوء هذا التقسيم تحديداً، ويحكم إغلاقه بالقوة المسلحة. والسنة والدروز يمارسون الفدرالية في مناطق مغلقة. 
 
وفي أعمق مفارقات هذه اللحظة، نجد بعض الأصوات التابعة لحزب الله على وسائل التواصل الاجتماعي، وقد خاب أملها من دمار الجنوب وانهيار مشروع المقاومة، تدعو الآن علناً إلى كيان منفصل باسم جبل عامل. باتت حجة الفيدرالية تُطرح الآن من داخل القاعدة المنهكة نفسها. عندما ينادي الموالون بالانفصال، يكون الإجماع المركزي قد انهار تماماً.
 
هذا الغضب يتجاوز الطوائف لأول مرة. إنّ غضب المواطنين اللبنانيين — مسيحيين وسنة ودروز، ولأول مرة كثير من الشيعة — لأنهم جُرّوا إلى حرب لم يختاروها على يد ميليشيا عاجزين عن إزاحتها، حوّل الفيدرالية من نقاش نظري حول الحكم إلى مطلب عاطفي جارف عابر للطوائف. هذا الغضب هو الوقود السياسي الذي يميّز عام 2026 عن كل لحظة سابقة.
 
ليست هذه المرة الأولى التي يقف فيها لبنان على هذا المنعطف الحاسم. فقد اقترح الرئيس كميل شمعون فكرة لبنان الفيدرالي في خمسينيات القرن الماضي. وطرح حوار لوزان الوطني عام 1984 مشروعًا فيدراليًا رسميًا. إلا أن الطائف نفسه أغلق الباب عام 1989 باقتراحه اللامركزية كحل وسط. لقد مرّ لبنان بهذه التجربة من قبل وانسحب. والسؤال الوحيد المهم هو: هل سينسحب مرة أخرى؟
 
الليلة، يُكسر السقف الزجاجي. يظهر جو عيسى الخوري مع مارسيل غانم في برنامج "صار الوقت"، البرنامج الذي شهد انطلاق النقاش حول الفيدرالية لأول مرة في الوعي العام في حزيران 2021. يأتي لا بصفة ناشط في المجتمع المدني أو الأمين العام لاتحاديون، بل كوزير في الحكومة اللبنانية، مدعومًا من أحد أكبر الائتلافات البرلمانية وأحد أكبر الأحزاب السياسية في البلاد. بهذا يُكسر الحاجز الذي طالما فصل بين الدعوة الفكرية وسلطة الدولة المؤسسية.
 
ترقبوا جو عيسى الخوري وهو يستخدم اللغة الوزارية التي هي شيفرة الفيدرالية: "إعادة الهيكلة الإدارية"، "اللامركزية الموسّعة"، "الإصلاح الدستوري إلى جانب الإصلاح الأمني"، "الحكم الذاتي للمجتمعات ضمن الوحدة الوطنية". سيقرأ أنصاره هذه الكلمات بوضوح، ولن يتحدّاها المدافعون عن الطائف مباشرةً.
 
يبدو أن القوات اللبنانية، التي تضم أربعة وزراء في حكومة سلام، قد وصلت بهدوء إلى نقطة تحول استراتيجية. بوجود جو عيسى الخوري كطليعة وزارية للفيدرالية، بينما يحافظ سمير جعجع على التزامه العلني بالطائف، رسمت القوات اللبنانية تقسيمًا دقيقًا للعمل.
 
وخلف الطبقة السياسية، أمضى جيل من منظمات المجتمع المدني الفيدرالية والناشطين البارزين سنوات في بناء قاعدة شعبية تتجاوز الانتماءات الحزبية. صحيح أنهم لا يستطيعون تقديم القوانين إلى البرلمان — فهذا من اختصاص النواب فقط — لكنهم أنجزوا ما هو أثمن: نقلوا الفيدرالية من دائرة المحرّمات إلى دائرة النقاش الوطني المشروع. لقد وُضعت الأسس الفكرية. وُجدت القاعدة الشعبية. ما كان ينقص هو الشجاعة البرلمانية.
 
لكنّ الكثير من الأسئلة لا تزال بلا إجابة. لا يزال العديد من اللبنانيين يطرحون أسئلة لم يُجب عنها بعض الفيدراليين إجابةً شافية: من يرسم حدود الكانتونات، وماذا سيحدث لمدن مختلطة مثل بيروت وزحلة، وكيف تُقسّم عائدات الموانئ، وما الذي يمنع الفيدرالية من أن تصبح الخطوة القانونية الأولى نحو تقسيم دائم على أسس طائفية؟ إلى أن تُقدَّم إجابات وتفسيرات وافية لهذه الأسئلة لعامة الناس، لن ينضج النقاش على المستوى الوطني.
 
والخوف المنطقي أعمق من ذلك. يخشى الكثيرون من أن الفيدرالية في ظل الظروف الراهنة لن تُحرّر أحدًا — وأن كانتونًا شيعيًا يسيطر عليه حزب الله سيتحوّل إلى دويلة صغيرة تُدار من قِبل إيران، وأن قرى مسيحية حدودية ستجد نفسها أقليات معزولة بلا حماية الدولة، وأن الشيعة المعارضين سيجدون أنفسهم محاصرين داخل كانتون مسلّح بلا مفرّ. هذا ليس جنون ارتياب. بل خوف منطقي. لذلك، فإن الإجماع الناشئ بقوة يدعو إلى نزع السلاح أولًا، يليه نقاش فيدرالي نزيه خالٍ من ظلّ الفيتو المسلح.
 
تراقب الولايات المتحدة وفرنسا ودول الخليج ملفّ الأسلحة اللبناني ومسار الإصلاح الدستوري في آنٍ واحد؛ فهذا ليس نقاشًا داخليًا فحسب وإنما تتجاوز الحدود. ولأول مرة، يتجه الغضب اللبناني بالإجماع نحو الأعلى، نحو النظام نفسه. ربما يكون جو عيسى الخوري هو الثقل الرسمي الذي كان ينتظره هذا النقاش، الشخصية القادرة على وضعه في صدارة المشهد ووضعه رسميًا، على طاولة الحوار الوطني. إذا كانت مفاوضات السلام الرسمية مع إسرائيل قد أصبحت "Sujet du Jour" فلماذا لا تكون الفيدرالية كذلك؟ يتقدّم النقاش إلى مستوى أعلى، وهكذا تبدأ الثورات في الخطاب السياسي. النافذة مفتوحة. ربما للمرة الأخيرة.